في بادرة تعبّر عن القرب الرعوي والتضامن المسيحي، قام غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث، بطريرك القدس للروم الأرثوذكس، وصاحب الغبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، بزيارة إلى قطاع غزة يومي 22 و23 حزيران 2026، برفقة صاحب السعادة الدكتور جوزف د. بلوتس، المسؤول عن الأعمال الإنسانية والصحية في منظمة فرسان مالطا، إلى جانب ممثلين عن منظمة مالتيزر إنترناشونال الإنسانية. وقد جمعت الزيارة بين الصلاة واللقاءات مع أبناء المجتمع المحلي، ودعم المبادرات الإنسانية والصحية، والتأكيد مجددًا على الالتزام بالاستثمار في مستقبل غزة رغم التحديات القائمة.
واختُتمت الزيارة باحتفال تخرّج 24 طفلًا من روضة البطريركية اللاتينية، حيث شدّد الكاردينال بيتسابالا على أهمية استكمال مسيرة التعليم وتوفير التنشئة للأجيال الناشئة، مؤكدًا أن "أول ما يجب أن نفكر فيه هو أطفالنا ومستقبلهم".
خدمة حضور وتعزية
وصل بطاركة القدس إلى غزة حاملَين صلوات المؤمنين من مختلف أنحاء العالم، معبّرين عن قربهما الدائم من الجماعة المسيحية الجريحة في غزة وسائر أهلها المتألمين.
وقد جسّدت الزيارة ما وصفه البيان الصحفي المشترك بـ"خدمة التعزية والرحمة والشهادة المسيحية الثابتة، المتجذّرة في الإنجيل وفي الدعوة المقدسة لمدينة القدس".
وكان في استقبال البطريركين أبناء الرعية وأفراد المجتمع المحلي في كنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس، ثم في رعية العائلة المقدسة، حيث تجمّع المؤمنون في ساحة الكنيسة مرحّبين بالوفد ومقدّمين الورود عربون محبة وامتنان.
وفي كلمته، نقل الكاردينال بيتسابالا تحيات كنيسة القدس وصلواتها، مؤكدًا أهمية أن تتم هذه الزيارة معًا كعلامة على وحدة الكنائس والتزامها المشترك تجاه الجماعة المسيحية في غزة.
وقال صاحبا الغبطة للمؤمنين لدى وصولهما: "لم نتخلَّ عنكم يومًا، ولن نتخلى عنكم أبدًا. فالجماعة المسيحية في غزة ستبقى دائمًا موضع اهتمامنا ومسؤوليتنا. نحن متجذرون هنا وسنبقى هنا. لا تخافوا. الوضع صعب، لكننا نواجهه معًا".
كما التقى البطريركان خلال الزيارة عددًا من العائلات، مطمئنين على أحوالهم ومقدّمين لهم التشجيع الروحي وسط الظروف القاسية التي يعيشونها.
واختُتم اليوم الأول بالاحتفال بالذبيحة الإلهية في كنيسة العائلة المقدسة. وفي عظته، تأمل الكاردينال بيتسابالا في الصمود الذي لمسه لدى أبناء غزة، داعيًا المؤمنين إلى النظر بعضهم إلى بعض بعيني الله، أي بقلب يرى ويتفهّم.
وقال: "الحرب لا تعفينا من عيش روح الإنجيل، فهي لا تغيّر سلوكنا ولا علاقاتنا ببعضنا البعض ولا بالآخرين"، داعيًا الجماعة إلى الاستجابة للواقع بروح الرحمة والسخاء بدلًا من الخوف أو الإدانة. وأضاف: "إذا طلب منك أحد أن تسير ميلًا واحدًا، فسر معه ميلين. هذا ما يطلبه منا الإنجيل حتى هنا في غزة".
التعليم والحوار: زرع بذرة الرجاء
سلّطت الزيارة الضوء أيضًا على التزام الكنائس بتنشئة الأجيال الجديدة وتوفير التعليم، وهو ما أكّد عليه الكاردينال بيتسابالا مرارًا في زياراته السابقة بقوله إنه "لا مستقبل من دون توفير فرص التعليم".
وخلال اليوم الأول، بارك غبطة الكاردينال بييرباتيستا منزلًا جرى ترميمه حديثًا بهدف توسيع القدرة الاستيعابية للروضة في العام الدراسي المقبل. وفي كلمته، شكر جميع العاملين من معلمين وموظفين، معربًا عن أمله في مواصلة الجهود لإتاحة التعليم لعدد أكبر من الطلاب.
وقال: "العام الدراسي الجديد يقترب، والاستعدادات جارية لتوفير التعليم لأكبر عدد ممكن من الأطفال والشباب. فالأطفال الذين شهدوا الكثير من المشاهد المؤلمة يحتاجون إلى أن يختبروا الجمال وفرص الحياة من جديد. نحن نؤمن بعناية الله؛ فالرب الذي أراد لنا أن نكون هنا لم يأتِ بنا صدفة، بل يدعونا إلى العمل معًا لصنع شيء جميل في هذه الأرض. غزة ليست حربًا فقط، بل هي أيضًا مكان للمحبة وتوقٌ إلى الحياة".
وسط الحرب سعت رعية اللاتين في غزة إلى تأمين شكل من أشكال التعليم للأطفال رغم الظروف الصعبة. وخلال حفل التخرج، قال الكاردينال: "ليس أمرًا بديهيًا أن تختاروا الاستمرار في تقديم التعليم وسط كل ما يحدث. ففي مثل هذا الواقع نتعلم أن نقدّر أمورًا كثيرًا ما نعتبرها مسلّمات في الظروف العادية".
وأضاف: "أهنئ مدرسة البطريركية اللاتينية أولًا لأنها واصلت رسالتها حتى خلال الحرب، وثانيًا لأنها قررت أن هذا لا يكفي، بل تريد أن تنمو وتصل إلى أكبر عدد ممكن من الطلاب. هذا واجبنا تجاههم، فالأطفال لهم الاحتياجات نفسها والمخاوف نفسها، ويحتاجون إلى الرعاية".
لقاء مع طلاب جامعة الأزهر
كما زار الكاردينال بيتسابالا جامعة الأزهر في غزة، حيث شارك في محاضرة بعنوان «الحوار بين الأديان وقيم التعايش والسلام»، بحضور مسؤولي الجامعة وشخصيات دينية وممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني وطلاب الجامعة.
وخلال الزيارة، غرس الكاردينال شجرة زيتون في حرم الجامعة، قائلًا: "إنها علامة صغيرة، لكنها رمز مهم للسلام. نحن بحاجة إلى علامات ورموز تذكّرنا بأهمية زرع بذور السلام".
وأكد أن الحوار بين الأديان ضرورة إنسانية وأخلاقية، ولا سيما في أوقات النزاعات، مشددًا على أن الكرامة الإنسانية والعدالة والرحمة والمحبة هي أسس لا غنى عنها لبناء السلام.
وأضاف: "الكراهية أخطر من القصف لأنها تولّد العنف، وجميعنا مسؤولون عن مقاومتها".
كما وجّه رسالة إلى الشباب دعاهم فيها إلى التمسك بالأمل والمشاركة في إعادة بناء مجتمعهم، قائلًا: "أنتم، أيها الشباب، من سيعيد بناء غزة. حيث توجد الإرادة يوجد الطريق".
دعم القطاع الصحي
وخلال الزيارة، بارك البطريركان عيادة صحية جديدة أُنشئت من خلال شراكة بين فرسان مالطا والبطريركية اللاتينية في القدس.
ووفقًا للبيان الصادر عن منظمة فرسان مالطا، سيبدأ نحو ثلاثين من الكوادر الطبية، بمن فيهم أطباء وممرضون وصيادلة، بتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية لما يصل إلى مئة مريض يوميًا، فيما تتولى منظمة مالتيزر إنترناشونال الإنسانية تنسيق أعمال العيادة وإدارتها.
ووصف الدكتور جوزف د. بلوتس، المسؤول عن الأعمال الإنسانية والصحية في منظمة فرسان مالطا، افتتاح العيادة بأنه "محطة تاريخية"، مشيرًا إلى أنه بعد أكثر من تسعمئة عام على وجود المنظمة في الأرض المقدسة، لا تزال تواصل خدمة المحتاجين دون تمييز، مضيفًا: "ستوفّر هذه العيادة رعاية طبية منقذة للحياة للمحتاجين، وستُشعرهم بأنهم لم يُنسوا".
وتأتي العيادة في وقت ما يزال فيه القطاع الصحي في غزة يواجه ضغوطًا هائلة. ووفق تقديرات حديثة لمنظمة الصحة العالمية، لا يعمل سوى نحو نصف مستشفيات القطاع البالغ عددها 36 مستشفى بشكل جزئي، فيما لا يعمل أي منها بكامل طاقته.
وخلال الزيارة، زار الكاردينال بيتسابالا أيضًا المستشفى الأهلي العربي، ومستشفى القديس يوحنا للعيون، وفريق كاريتاس القدس في غزة، حيث اطّلع على أبرز الاحتياجات والخدمات التي ما تزال هذه المؤسسات تقدمها للسكان المحليين، مؤكدًا أهمية مواصلة الدعم الإنساني والطبي لجميع المتضررين من النزاع.
زيارة قرب ومسؤولية رعوية
شكّلت الزيارة بالنسبة إلى البطريركين فرصة لمرافقة الجماعة المسيحية في غزة والتأكيد مجددًا على قرب الكنائس منها. كما عكست مباركة مبنى الروضة الجديد والعيادة الصحية التزامًا لا يقتصر على تلبية الاحتياجات الملحّة فحسب، بل يشمل أيضًا الاستثمار في مستقبل غزة.
وفي هذا السياق، شدّد الكاردينال بيتسابالا على ضرورة "العمل معًا والتخطيط للمستقبل من أجل إنجاح مستقبل هذا المكان الرائع، رغم كل ما يمرّ به".
واختتم زيارته برسالة رجاء، معربًا عن تطلعه إلى اليوم الذي تستعيد فيه مدارس غزة ومستشفياتها ومجتمعاتها المحلية ازدهارها من جديد، وتواصل رسالتها في خدمة الإنسان وصون كرامته.

