بروتوكول: (1) 16/2026
إلى أبنائنا وبناتنا، طلبة المدارس الكنسية في الأرض المقدسة،
إلى الكهنة والرهبان والراهبات القائمين على رعاية مدارسنا،
إلى المديرين والمعلمين وسائر العاملين،
إلى أهلنا الأعزاء،
أيها الإخوة والأخوات الأحباء،
ها نحن نطوي الأيام الأخيرة من شهر آب، فتدبّ في مدارسنا حركة الاستعداد لعام دراسي جديد. وفيما تعمل الإدارات والطواقم على إعداد الصفوف والساحات لاستقبال الطلبة، تنشغل العائلات في البيوت بتجهيز الحقائب والكتب والزي المدرسي. وفي هذه التفاصيل اليومية البسيطة تنمو فرحة البداية ويكبر الرجاء. وبعد أيام قليلة، سيدخل عشرات الآلاف من أبنائنا وبناتنا أبواب مدارسنا المسيحية من جديد. وسيفتتحون، برفقة معلميهم وكل من يسهر على خدمتهم، فصلًا جديدًا من مسيرة حياتهم.
غير أن فرحتنا بهذه البداية لا تنسينا أن أطفالًا في أنحاء مختلفة من الأرض المقدسة قد فقدوا حتى حقهم البديهي في العودة إلى مقاعد الدراسة. فبعضهم لم يعد يجد صفًا يعود إليه، وبعض الجماعات يطغى فيها الموت والتهجير والدمار على بهجة العام الجديد. هؤلاء أيضًا أبناؤنا. فلتحمل هذه البداية إليهم علامة رجاء، ولتعلن أن الدمار لن يقول الكلمة الأخيرة، وأنه سيأتي يومٌ يعودون فيه آمنين إلى مدارسهم وإلى حياة طبيعية كريمة.
رسالة مدارسنا الكنسية لا تقتصر على التعليم وحده؛ فهي ركن أساسي من أركان الحضور المسيحي في الأرض المقدسة. هذه ليست مجرد عبارة، بل هي واقع حيّ نشهده يوميا.
تستقبل مدارسنا الكنسية طلبة وعائلات ينتمون إلى ديانات مختلفة، وتغرس في الأجيال ثقافة العيش معًا والاحترام المتبادل وقبول الآخر. لكن انفتاحنا لا يعني التردّد في هويتنا ولا التنازل عنها. فالهوية المسيحية هي روح مدارسنا وأساس رسالتها ونبض حياتها اليومية، وتظهر في قيمها ورموزها وتقاليدها ورزنامتها ونهجها التربوي. نستقبل بكل محبة واحترام من يختار مدارسنا بإرادته، وننتظر منه أن يحترم بدوره طابعها المسيحي والأنظمة التي تحميه. فالعيش المشترك الحقيقي يصون كرامة كل إنسان، كما يصون هوية المؤسسة التي تحتضنه. وندرك أن صون هذه الهوية، وسط التحديات والضغوط الكثيرة التي تواجه مدارسنا، يحتاج إلى صبر وثبات وشجاعة. لذلك نقول لمديري مدارسنا وطواقمها: لن تحملوا هذه الأمانة وحدكم؛ فنحن شركاؤكم فيها، وسنبقى إلى جانبكم في أدائها.
نتوجّه بعميق الشكر إلى كل من يحمل هذه الرسالة. فما تؤدونه لا يمثل وظيفة فحسب، بل يجسّد إيمانًا بمستقبل هذه الأرض وفعل رجاء من أجل أبنائها. إننا نثمّن إخلاصكم وعطاءكم، ونضع كرامتكم وحقوقكم في صميم اهتمامنا، وسنعمل بلا كلل من أجل أن ينال معلمونا والعاملون في مدارسنا وطلبتنا أفضل الحقوق والظروف والفرص الممكنة.
ومع مطلع هذا العام، ندعو إلى عناية متجددة بالتربية الدينية والتنشئة الروحية لأبنائنا. فلا يكفي أن يحفظ الطالب المسيحي الصلوات، أو أن يعرف أسماء الأسرار، من دون أن يفهم معناها. إنما غاية التنشئة الدينية أن تقوده إلى إيمان حي وشخصي: يفهمه، ويتأمل فيه، ويجعله نهجًا في حياته، لا كلمات يردّدها بلسانه.
إن انتماء المسيحي إلى الأرض المقدسة لا يقوم على الجغرافيا وحدها. إنه دعوة إلى علاقة عميقة بأرض الإنجيل، وإلى قراءة أسرار الإيمان على ضوء الأماكن التي شهدت أحداث الخلاص. ومن هنا، ينبغي للتربية الدينية أن تفتح أمام طلبتنا المسيحيين باب اللقاء بالكتاب المقدس من خلال الأماكن المقدسة في هذه الأرض. وحيثما تسمح الظروف بزيارة هذه الاماكن، على المدرسة أن تهيئ الطلبة لها بعناية، وأن تجعلها جزءًا أصيلًا من مسيرة التنشئة. أما حين تحول المسافات أو الحدود أو القيود دون الوصول المباشر إليها، فعلى مدارسنا أن تبتكر سبلًا أخرى تقرّب هذه الأماكن من الطلبة، وتحيي في وجدانهم معناها الإنجيلي.
وسواء حملت الزيارة الطلبة إلى المكان نفسه، أم قادهم إليه الكتاب المقدس والدراسة المتعمقة والوسائل البصرية واللقاء بالجماعات المسيحية في سائر أنحاء الأرض المقدسة، فعليهم أن يدركوا معناه وأهميته، وأن يكتشفوا صلة المكان بحياة المسيح، وتعليمه وموته وقيامته. ولا يجوز لحدود الجغرافيا أن تجعل أي طالب غريبًا عن جانب من جوانب تراث الأرض المقدسة الروحي.
وهذه التربية الدينية تحتاج إلى معلمين نالوا إعدادًا راسخًا، تجذّروا في إيمانهم، ويحملون شغفًا صادقًا بنقله إلى الطلاب. لذلك، على مكتب المدارس الكنسية، بالتعاون مع كل مدرسة، أن يولي إعداد معلمي التربية الدينية وتنشئتهم المستمرة عناية خاصة، فلا يقتصر دورهم على نقل المعلومات، بل يقودوا الطلبة إلى لقاء حي بالكتاب المقدس وبالتراث الروحي لهذه الأرض.
أيها المربون الأعزاء، إنكم بعملكم اليومي تحفظون معجزة هادئة ومتواصلة: بقاء الحضور المسيحي حيًا وفاعلًا في الأرض المقدسة.
أيها الأهل الأعزاء، أنتم شركاؤنا الأولون والأساسيون في هذه الرسالة، ولا تستطيع مدارسنا أن تنهض بأمانتها من دون ثقتكم ودعمكم ومشاركتكم الفاعلة.
وإلى أبنائنا وبناتنا الطلبة، نتمنى عامًا يوقظ فيكم شغف المعرفة، ويقوّي عزيمتكم، ويعينكم على نمو حقيقي ومثمر.
وإلى كل من يخدم هذه الرسالة، نعرب عن عميق تقديرنا ونذكركم في صلواتنا.
نسأل الرب أن يهبنا عامًا دراسيًا آمنًا ومثمرًا وناجحًا، وأن يحفظ أطفال هذه الأرض جميعًا، ولا سيما الذين سلبهم العنف الأمان والتعليم. ولتبقَ مدارسنا بيوتًا للإيمان، والمعرفة واللقاء والرجاء.
القدس، 26 آب 2026، عيد القديسة مريم ليسوع المصلوب
+ الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا
بطريرك القدس للاتين
رئيس مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة

