«أكثر ما لمس قلبي كان رؤية الشبيبة تحتفل في ساحة مدرسة البطريركية اللاتينية، ووجوههم تشعّ فرحًا وقلوبهم تنبض بالحياة».
بهذه الكلمات، استحضرت دوناتا ماريا كريثلو-بنزيغر، الرئيسة المؤقتة للجنة الأرض المقدسة التابعة لفرسان القبر المقدس، إحدى أبرز لحظات الزيارة السنوية التي قامت بها اللجنة إلى الأرض المقدسة من ٥ إلى ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦، والتي اختزلت بالنسبة إليها جوهر هذه الزيارة وما حملته من لقاءات وشهادات.
على امتداد القدس والجليل والضفة الغربية، التقى الوفد بمسؤولي الكنيسة وكهنة الرعايا والعاملين في القطاع التربوي ومديري المشاريع وأبناء المجتمعات المحلية، للاطلاع عن كثب على التحديات التي تواجه أبرشية القدس، وعلى أثر المشاريع التي يدعمها فرسان وسيدات القبر المقدس في حياة الكنيسة وأبنائها.
ورافق الوفد طوال الزيارة السيد جوني زيدان، الوكيل العام الجديد للبطريركية اللاتينية في القدس. واطّلع أعضاء اللجنة على مجموعة من المشاريع والمبادرات التي تشمل المساعدات الإنسانية والتعليم وتكوين الكهنة وتوفير فرص العمل والرعاية الرعوية. وتتيح هذه الزيارات الدورية للجنة متابعة تقدّم المشاريع المموّلة، وتحديد الأولويات بما يتناسب مع الاحتياجات المتجددة للكنيسة والمجتمعات التي تخدمها.
وأضافت دوناتا مستذكرةً: «في أرضٍ يطبعها الكثير من الألم وعدم اليقين، كان فرح هؤلاء الشباب وإيمانهم ورجاؤهم أمرًا مؤثرًا للغاية».
الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة
استُهلّت الزيارة بلقاء غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، الذي أطلع أعضاء اللجنة على الأوضاع الإنسانية والرعوية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.
وفي البلدة القديمة في القدس، زار الوفد أربع عائلات مسيحية تتلقى المساعدة من خلال دائرة الخدمات الاجتماعية في البطريركية اللاتينية. وتعكس أوضاع هذه العائلات حجم الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجهها الأسر المحلية، بدءًا من البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، وصولًا إلى صعوبة تسديد الأقساط المدرسية والإيجارات وتغطية النفقات الأساسية الأخرى.
وتستقبل دائرة الخدمات الاجتماعية في البطريركية أكثر من ٢٧٠ طلب مساعدة شهريًا من الرعايا في مختلف أنحاء الضفة الغربية. وتشمل خدماتها تقديم قسائم لشراء المواد الغذائية، والمساهمة في تغطية تكاليف التعليم والسكن، وتوفير المساعدة الطبية الطارئة، ومساندة العائلات التي تثقل كاهلها الديون المتراكمة، فضلًا عن برامج تساعد النساء والشباب على إطلاق مشاريع صغيرة أو اكتساب مهارات مهنية.
ولا تقتصر جهود البطريركية على تلبية الاحتياجات العاجلة، بل تمتد إلى توفير فرص عمل تساعد الأفراد على تحقيق الاستقلال الاقتصادي. وحتى نهاية أيلول ٢٠٢٦، أُتيحت نحو ١١٠ فرص عمل لشابات وشبان في القدس والضفة الغربية، بالتعاون مع الرعايا والمدارس ومؤسسات المجتمع المحلي.
كما اطّلع أعضاء اللجنة على الأوضاع في قطاع غزة من خلال لقاء عبر الاتصال المرئي مع كاهن الرعية. وعلى الرغم من التحديات الهائلة، واصلت البطريركية اللاتينية تقديم مساعداتها الإنسانية، وأعادت فتح مدرستها في القطاع للعام الدراسي ٢٠٢٦–٢٠٢٧.
وقالت دوناتا: «إن أثر البطريركية اللاتينية عميق للغاية. فمن خلال مدارسها ورعاياها وعملها الإنساني ورعايتها الرعوية، تقدّم أكثر بكثير من المساعدة المادية؛ فهي تصون كرامة العائلات، وتمنحها الرجاء وإمكانية بناء مستقبل لها في أرضها».
ومن خلال دعم المشاريع التي تشرف عليها البطريركية، يسهم فرسان القبر المقدس في استمرارية هذه المبادرات، وتمكّن الكنيسة المحلية من الاستجابة للاحتياجات الملحّة، ومواصلة رسالتها على المدى البعيد في خدمة المجتمعات المؤتمنة عليها.

التعليم والتكوين: استثمار في الأجيال المقبلة
شكّل التعليم أحد المحاور الأساسية للزيارة. ففي الجليل، التقت اللجنة الأب إبراهيم شوملي، مدير مدارس البطريركية اللاتينية في المنطقة، الذي عرض عمل المدارس الخمس في حيفا وشفاعمرو والناصرة والرينة والرّامة. وتستقبل هذه المدارس مجتمعةً أكثر من ٥٠٠٠ طالب وطالبة، وتوفّر لهم تعليمًا أكاديميًا إلى جانب التكوين المسيحي، كما تتيح لطلاب من خلفيات مختلفة أن يتعلّموا معًا وينموا في بيئة مشتركة.
وفي بيت ساحور، زار الوفد مدرسة البطريركية اللاتينية التي تضم ٣٨٠ طالبًا وطالبة. وعرض مدير المدرسة، السيد أنطون جرايسة، الصعوبات التي تواجه العائلات بعد سنوات من تراجع الحركة السياحية وانحسار فرص العمل. وفي ظل عجز العديد من الأهالي عن تسديد الأقساط المدرسية، تسهم مساعدة فاللجنة في تمكين المدرسة من مواصلة رسالتها التربوية والحفاظ على إمكانية الحصول على التعليم الكاثوليكي.
كما تدعم اللجنة جهود البطريركية لتطوير البنية التحتية لمدارسها، من بينها ترميم الصفوف، وتجهيز مختبرات العلوم والحاسوب، وتطوير المكتبات، وتحسين المرافق الصحية، وتنفيذ أعمال أساسية لتطوير البنية التحتية.
وفي جامعة بيت لحم، اطّلع أعضاء اللجنة على مشروع «آفاق»، الذي يهدف إلى تعزيز مهارات الخريجين وتطوير قدراتهم المهنية، من خلال توفير فرص للتدريب والعمل، بما يساعدهم على الاندماج في سوق العمل في فلسطين والقدس، ولا سيما في القطاعات الطبية والاجتماعية والاقتصادية.
كما سلّطت زيارة إكليريكية بيت جالا الضوء على بُعد أساسي آخر من رسالة الكنيسة، وهو تكوين كهنة مستقبل. وقدّم الأب برنارد بوجي عرضًا عن برنامج التكوين في الإكليريكية، وأعمال البناء الجارية وخططها المستقبلية. وإلى جانب إعداد الإكليريكيين للخدمة في الرعايا والمدارس في مختلف أنحاء الأبرشية، تمتد رسالة الإكليريكية إلى العلمانيين من خلال دورات للتكوين الروحي تُنظّم في خمس مدن.
صون الحضور المسيحي وتعزيزه
سلّطت اللقاءات التي عقدتها اللجنة الضوء أيضًا على الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات المسيحية، ولا سيما البطالة وانعدام الأمن والهجرة.
وفي الطيبة، البلدة الوحيدة في الضفة الغربية ذات الغالبية المسيحية الكاملة، عرض الأب بشار فواصلة مبادرات محلية تهدف إلى توفير فرص العمل والسكن، ومساعدة العائلات على البقاء في أرضها. ولا تزال البلدة تواجه صعوبات اقتصادية، إلى جانب المخاوف الناجمة عن الاعتداءات التي تطال السكان والأراضي الزراعية. وتسعى الرعية، بالتعاون مع البطريركية اللاتينية ورهبنة فرسان القبر المقدس، إلى توفير مزيد من الاستقرار للعائلات وتعزيز فرص استمرارها في بلدتها.
وزار الوفد أيضًا بيت أفرام، دار المسنين التابعة للبطريركية اللاتينية، حيث اطّلع على الرعاية المقدّمة لكبار السن في المجتمع المحلي. وفي رام الله، عرض الأب يعقوب رافيدي الاحتياجات الرعوية والتربوية للعائلات، فيما قدّم الأب فراس عبد ربه صورة عن حياة الرعية ومدرستها في عين عريك، مع التركيز على التحديات التي تواجه الشباب.
وقالت دوناتا موضحةً ما ترك الأثر الأكبر لديها: «أكثر ما أقلقني هو تفاقم الصعوبات الاقتصادية والبطالة والهجرة، وهي عوامل تجعل بقاء العائلات في أرضها أكثر صعوبة».
وشملت الزيارة أيضًا لقاءات مع الأب ماثيو مارسيل كوتينو، النائب البطريركي للمهاجرين، وممثلين عن شبيبة فلسطين المسيحية، من بينهم الأب جورج حداد والآنسة فاتن إسعيد، الأمينة العامة للمؤسسة. وقد أتاحت هذه اللقاءات لأعضاء اللجنة التعرّف بصورة أوسع إلى تنوّع المجتمعات التي تخدمها البطريركية، وإلى أهمية مرافقة الشباب والأشخاص الذين يعيشون في ظروف هشّة.
وخلال الزيارة، عاينت اللجنة أيضًا إسهام الكنيسة في تعزيز التعايش والاحترام المتبادل من خلال مدارسها وخدماتها الاجتماعية ومبادراتها الرعوية التي تخدم أشخاصًا من خلفيات مختلفة.
وفي هذا السياق، لا يقتصر صون الحضور المسيحي على الحفاظ على المؤسسات وأماكن العبادة، بل يشمل أيضًا مساعدة العائلات على بناء مستقبل قابل للاستمرار، وتعليم الأطفال، ورعاية كبار السن، وخلق فرص تتيح للأجيال الشابة البقاء في أرضها والنمو فيها.

العودة كحجّاجًا إلى الأرض المقدسة
جدّدت الزيارة التأكيد على متانة الشراكة بين رهبنة فرسان القبر المقدس والبطريركية اللاتينية في القدس. فمن خلال مساهمات فرسانها وفارساتها، توفّر الرهبنة دعمًا أساسيًا للمشاريع التي تشرف عليها البطريركية، وتسهم في استمرار أعمالها الخيرية والثقافية والتربوية والاجتماعية.
وتتكامل الزيارات الدورية للجنة مع هذا الدعم، إذ تتيح لأعضائها لقاء المسؤولين عن المشاريع، والتعرّف عن قرب إلى الواقع الميداني، وتحديد الأولويات للمرحلة المقبلة.
وبالنسبة إلى دوناتا، لا يقتصر هذا الالتزام على المساهمات المالية، بل يشمل أيضًا الصلاة والحضور الشخصي والحج إلى الأرض المقدسة.
وقالت: «رسالتي إلى المسيحيين في الأرض المقدسة بسيطة: أنتم لستم منسيّين، ولستم وحدكم».
وأضافت: «علينا أن نعود حجّاجًا، لأن حضورنا هو علامة قوية على التضامن والرجاء. إن صمودكم مصدر إلهام لنا جميعًا، ويذكّرنا بأن رابطتنا مع الأرض المقدسة ليست مجرد علاقة تقوم على تقديم المساعدة، بل هي حوار حيّ من المحبة».

