التقى قداسة البابا لاون الرابع عشر، يوم الخميس ٣ أيلول ٢٠٢٦، أعضاء مجلس الأساقفة اللاتين في المناطق العربية، المجتمعين في روما، ووجّه إليهم رسالة تشجيع ورجاء، متوقفًا عند عدد من أولويات رسالة الكنيسة في المنطقة، في ظل واقع متنوع تطبعه، في كثير من الأحيان، التوترات السياسية والاجتماعية والدينية.
لكن كلمات البابا لا تتوجه إلى الأساقفة وحدهم. ففي قلبها دعوة إلى كل مؤمن يعيش في هذه المنطقة، ولا سيما وسط الأزمات والاضطرابات، لكي يسأل نفسه: ماذا يعني اليوم أن أعيش إيماني؟ وماذا يعني أن أبقى أمينًا للمسيح والإنجيل وسط الصعوبات؟ وهل وجودنا المسيحي هو مجرد مسألة أعداد وبقاء، أم أنه قبل كل شيء حضور للمسيح وشهادة له؟
الشهادة وسط الصعوبات
في البدء، استذكر قداسة البابا الشهداء الذين قدّموا حياتهم في خدمة الآخرين والشهادة للمسيح، مؤكدًا أن أمانتهم تبقى مثالًا ونورًا لنا: «ربّما أسماؤهم غير معروفة للعالم، لكنّها معروفة جدًّا لدى الله. وأمانتهم للإنجيل تبقى نورًا لجماعاتكم، ودعوةً إلى ألّا تستسلموا للخوف ولا لليأس».
هذه الدعوة تكتسب معناها في واقع الكنيسة اليوم، حيث تتزايد الصعوبات ويختار كثيرون الهجرة. وهي تدعونا إلى النظر إلى الذين سبقونا في الإيمان، من الرسل والكنيسة الأولى، إلى الشهداء في أيامنا. فالاضطهاد والشدائد لم تكن غائبة عن حياة الكنيسة منذ بداياتها، كما تشهد أعمال الرسل، لكنها لم تمنع المؤمنين من الصلاة وطلب القوة للاستمرار في الشهادة للحق.
وليس المقصود هنا تجاهل صعوبة الواقع أو التقليل من ثقل ما يعيشه الناس. بل ربما يكون السؤال: هل نستطيع أن نبقى أمناء للمسيح وسط هذه الصعوبات، حتى عندما لا نعرف إلى أين يقودنا المستقبل؟ فالأمانة، في حد ذاتها، تصبح شكلًا من أشكال الشهادة.
القرب: أن تكون الكنيسة إلى جانب الإنسان
دعا البابا الأساقفة إلى أن يكونوا رعاة قريبين من شعوبهم، يشاركونهم جراحهم ويصغون إليهم ويساندونهم. كما أوصى بعناية خاصة بالعائلات والشباب، لكي تكون الكنيسة بيتًا يستقبلهم ويصغي إليهم، مؤكدًا أهمية التنشئة المسيحية «لكي يُعرَف الإيمان ويكون حياة في كل مؤمن ويُنقَل من جيل إلى جيل».
وهنا تطرح كلمة البابا سؤالًا يتجاوز المؤسسات الكنسية: هل يجد الإنسان، في وقت ضعفه وتساؤلاته، شخصًا يستطيع أن يصغي إليه ويسير معه؟ وهل تستطيع جماعاتنا أن تكون أماكن لا يُطلب فيها من الإنسان أن يخفي ضعفه، بل يستطيع أن يجد فيها من يقاسمه الطريق؟
فالإيمان لا يُنقل بالكلمات وحدها، بل يُختبر أيضًا في العلاقات، وفي البيت والعائلة والرعية والمدرسة، وفي الطريقة التي نكون بها إلى جانب بعضنا البعض.
قوة الكنيسة ليست في أعدادها
شدّد البابا على أن قلة عدد المسيحيين لا ينبغي أن تكون مصدر خوف، مؤكدًا: «عطاء الكنيسة لا يُقاس بالأعداد، ولا بالهيكليّات، ولا بالإمكانات، بل بالأمانة للإنجيل».
وأضاف: «لا تخافوا لأنّ عددكم قليل... فالجماعة الصغيرة، إن كانت متجذّرة في المسيح، يمكن أن يكون حضورها ثمينًا، لا لأنّها تسعى إلى السّلطة، بل لأنّها تخدم، ولا لأنّها تفرض نفسها، بل لأنّها تشهد، ولا لأنّها تجيب على العنف بعنفٍ آخر، بل لأنّها تواجه القوّة بالمحبّة».
هذه الكلمات لا تلغي واقع التراجع العددي والهجرة، ولا تطلب من المسيحيين أن يتجاهلوا المخاوف المرتبطة بمستقبلهم. لكنها تضع أمامهم معيارًا آخر. فالسؤال ليس فقط: كم بقي منا؟ بل أيضًا: كيف نعيش هذا الوجود، وماذا نشهد من خلاله؟
وهنا يمكن لكل مؤمن أن يتوقف أمام سؤال بسيط وصعب في آن: هل أعيش وجودي المسيحي من منطق الخوف على البقاء، أم من منطق الأمانة للمسيح، حتى في واقع لا أملك السيطرة عليه؟
وسط الأزمات، لا نغفل عن جوهر الرسالة
وفي خضم الأزمات، دعا البابا إلى عدم إغفال جوهر رسالة الكنيسة: «في وسط الأزمات، لا تغفلوا عن جوهر رسالة الكنيسة: إعلان الإنجيل، والصلاة، والأسرار المقدسة، والتنشئة المسيحية».
وفي الوقت نفسه، دعا الكنائس إلى أن تُظهر، وسط المجتمعات التي طبعتها الصراعات والانقسامات، أن من الممكن «أن نعيش ونخدم ونرجو معًا»، من خلال الرعايا والمدارس والمستشفيات وأعمال المحبة، واستقبال المحتاجين والإصغاء إليهم ومساندتهم.
وهنا تبدو الرسالة مزدوجة: لا تستطيع الكنيسة أن تتجاهل جراح الناس واحتياجاتهم، لكنها لا تستطيع أيضًا أن تنشغل بالخدمة إلى درجة تفقد معها مصدر خدمتها. فالصلاة، والإنجيل، والأسرار، والتنشئة، والخدمة الإنسانية ليست مسارات منفصلة، بل جوانب متكاملة من رسالة الكنيسة.
وفي أوقات الخوف والألم، قد ينغلق الإنسان على معاناته الخاصة، ويدخل في حالة من البقاء، فيصبح منشغلًا إلى حدّ كبير بنفسه وبهمومه، وينسى من حوله، ويغفل عن آلامهم واحتياجاتهم.
ولذلك تطرح كلمة البابا سؤالًا عمليًا: هل أستطيع، رغم ما أعيشه، أن أفسح مجالًا لمعاناة الآخر؟ وهل يمكن لإيماني أن يدفعني إلى الإصغاء والمساندة، لا بالكلمات فقط، بل بما أستطيع أن أقدمه فعلًا؟
المهاجرون والحوار: أن نبقى منفتحين على الآخر
يطبع واقع أبرشية القدس تعدّدٌ ديني واجتماعي وثقافي غني، إلى جانب تنوّع الكنائس والتقاليد المسيحية، ووجود جماعات من المهاجرين وطالبي اللجوء، ولا سيما في مناطق الجليل. وفي هذا السياق، تكتسب دعوة البابا إلى الاعتناء بالمهاجرين والدفاع عن كرامة كل إنسان أهمية خاصة، إذ أكد: «لتكن جماعاتكم بيوتًا لا يشعر فيها أحد بأنّه غريب».
كما دعا قداسة البابا إلى حماية الوحدة والشركة بين الكنائس والطقوس المسيحية المختلفة وتعزيزها، معتبرًا أن تنوّع التقاليد المسيحية هو غنى ينبغي أن يوجّه حياتنا ويلهمها نحو الوحدة. ومن هذه الوحدة والشركة ينشأ حوار صادق مع الجماعات المسيحية الأخرى، ومع المسلمين، ومع مختلف التقاليد الدينية.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في أبرشية القدس، حيث نعيش يوميًا واقعًا تتجاور فيه الكنائس والتقاليد المسيحية المختلفة، كما تتقاطع فيه الأديان والثقافات. فالوحدة لا تعني إزالة الاختلاف، كما أن اللقاء لا يعني التخلّي عن الهوية، بل أن نفتح مساحة للتعارف والشركة، وأن نكتشف أن ما يختلف فينا لا يجب أن يكون عائقًا أمام اللقاء. «الحوار لا يعني التخلّي عن هويّتنا، بل أن نعيش حياتنا كاملة دون الخوف من اللقاء،" أشار قداسة البابا.
وهنا تضعنا هذه الكلمات أمام سؤال بسيط وعميق: هل نستطيع أن نضع بعض الصور الموروثة جانبًا، ولو مؤقتًا، لكي نسمح للآخر بأن يعرّف نفسه، وأن نلتقي به كشخص قبل أن نراه من خلال انتمائه؟
الرسالة: جعل المسيح حاضرًا
وفي قلب كلمته، وضع البابا دعوة تختصر جوهر الرسالة: «رسالتكم ليست مجرّد الحفاظ على الحضور المسيحي، بل هي جعل المسيح حاضرًا».
ولعل هذه الجملة تستحق أن تُسمع خارج إطار اللقاء مع الأساقفة أيضًا. ففي ظل الهجرة والقلق على المستقبل، يصبح سؤال «كيف نبقى؟» سؤالًا طبيعيًا ومشروعًا. لكن كلمة البابا تضيف إليه سؤالًا آخر: لمن نبقى، وكيف نبقى؟
فالحفاظ على الوجود المسيحي مهم، لكنه لا يمكن أن يكون الغاية الوحيدة. فوجودنا يكتسب معناه من أمانتنا للمسيح والإنجيل، ومن الطريقة التي نعيش بها إيماننا ونخدم بها الإنسان ونبني بها علاقاتنا.
الأمانة حين لا نرى الثمر
ودعا البابا الأساقفة إلى عدم تحميل أنفسهم مسؤولية حلّ جميع مشكلات المنطقة، بل إلى أن يكونوا أمناء لرسالتهم: «لا تبحثوا قبل كل شيء عن النجاح أو التقدير، بل ابحثوا عن الأمانة».
وفي هذه الدعوة واقعية لافتة. فالكنيسة لا تملك أن تحلّ كل ما يحيط بها من أزمات، والمؤمن لا يملك أن يضمن نتائج ما يفعله. لكن ما يمكنه أن يختاره هو طريقة حضوره وأمانته للإيمان والقيم المسيحية.
لذلك جاءت كلمات البابا الأخيرة لتوجّه أنظارنا إلى أمانة الله وعدم الاستسلام: «لا تخافوا من أن تزرعوا من دون أن تروا الثمار فورًا. أنتم عليكم أن تزرعوا، والله هو الذي يُنمّي».
وفي ختام كلمته، أكّد قداسة البابا قرب الكنيسة الجامعة من الكنائس العربية: «لستم وحدكم. الكنيسة الجامعة تنظر إلى جماعاتكم بمحبّة، وتقدّر ثباتها، وقوّة إيمانها وحياتها في المحنة، وشجاعة خدمتها، فهي شهادة ثمينة لكلّ الكنيسة».
وربما يبقى السؤال، بعد كل هذه الكلمات، ليس فقط كيف نحافظ على وجودنا المسيحي في الأرض المقدسة، بل كيف نعيش هذا الوجود بأمانة في واقع لا يخلو من الألم والقلق والمجهول؟
فكلمة البابا لا تقدّم إجابة سهلة عن مستقبل المسيحيين في المنطقة، ولا تتجاهل صعوبة الواقع. لكنها تضع أمامنا معيارًا واضحًا: أن نبقى متجذرين في المسيح، وأن نجعل حضوره حيًّا في ما بيننا، وأن نبقى أمناء، حتى عندما لا نرى ثمر تعبنا.

