تأملات من الأرض المقدسة
مسيرة على مدى ٤٥ عامًا
خلال بضعة أيام، سأسلّم مسؤولية منصب الرئيس التنفيذي إلى خلفي، السيد جوني زيدان، الذي كان لي شرف لقائه خلال بدايات مسيرتي المهنية في جامعة بيت لحم في منتصف الثمانينيات، وأعتز بأن أصفه بأنه أحد طلابي السابقين المتميزين. يأتي جوني إلى البطريركية اللاتينية في القدس بخبرة واسعة ومتنوعة، وهو مستعد لمواصلة المسيرة التي بدأت عام ٢٠١٦، عندما تولى غبطة البطريرك مسؤولياته في البطريركية اللاتينية وطلب مني الانضمام إلى الفريق عام ٢٠١٧.
أغادر البطريركية اللاتينية بشعور كبير بالإنجاز لما تمكنا من تحقيقه في المجالات الإدارية والمالية، ولكن الأهم من ذلك أنني أغادر وأنا على ثقة كاملة بزملائي في الإدارة العامة، إلى جانب جوني، لمواصلة التميز في عملهم وتقديم الدعم الذي تشتد الحاجة إليه لجميع المبادرات التعليمية والرعوية والإنسانية التي تقوم بها البطريركية اللاتينية. أتمنى لهم جميعًا كل التوفيق والنجاح في السنوات القادمة.
مع انتقالي إلى مرحلة التقاعد، وعند النظر إلى السنوات الخمس والأربعين الماضية، أجد أن مسيرتي المهنية التي بدأت في أروقة جامعة بيت لحم من خلال التدريس وتولي مختلف المناصب الإدارية، قادتني إلى التعرف على الحضور المؤسسي المسيحي الأوسع، وكذلك على غزة، من خلال عملي في مؤسسة CNEWA – البعثة البابوية، ثم خلال العقد الماضي بصورة أكثر عمقًا من خلال العمل المباشر للكنيسة في خدمة المجتمع ككل عبر البطريركية اللاتينية.
وأعتبر نفسي محظوظًا جدًا لأنني أمضيت معظم مسيرتي المهنية في خدمة الكنيسة ومؤسساتها المختلفة، التي توفر فرص التعليم والرعاية الرعوية والدعم الإنساني والتنموي للفئات الأكثر تهميشًا في المجتمع. وعندما أنظر إلى تلك السنوات الخمس والأربعين، لا أجد تجربة واحدة، مهما كانت صغيرة، أو لقاءً واحدًا عشته، أتمنى تغييره. لقد كانت بحق تجربة غنية ومجزية.
لا يمكن للمرء أن ينظر إلى فترة تمتد ٤٥ عامًا دون أن يتأمل في التغييرات التي حدثت على الأرض خلال تلك الفترة، ونحن نعيش في حالة دائمة من الأزمات اتسمت بالانتفاضات والحروب. فما كان في السابق صراعًا أكثر احتواءً، ناتجًا عن غياب حل عادل للشعب الفلسطيني، أصبح اليوم صراعًا إقليميًا يشمل دولًا مجاورة مثل لبنان وسوريا، وكذلك دولًا بعيدة مثل إيران واليمن والعراق.
إن الفشل المستمر في منح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وتمكينه من أن يعيش حياة كريمة شأنه شأن جميع شعوب العالم، أدى إلى استمرار حالة عدم الاستقرار وإلى الحروب المتواصلة التي تشهدها المنطقة. لقد كانت المعادلة بسيطة وواضحة لعقود، لكن إسرائيل ترفض رؤيتها، فيما يقف العالم بأسره صامتًا، مع إرادة محدودة للدفع نحو الوصول إلى التسوية المنشودة. لن يكون هناك استقرار في الشرق الأوسط ما لم تتم معالجة هذه القضية المزمنة، وما لم ينل الشعب الفلسطيني حريته ويُسمح له بالعيش بكرامة.
وأنت تسلك طرق الضفة الغربية، لا يمكنك إلا أن تقارن المشهد بما كان عليه قبل 45 عامًا، حين كان النشاط الاستيطاني محدودًا جدًا. أما اليوم، فإن الرحلة نفسها تكشف عن تغير مخيف على الأرض. فبدلًا من القيادة بحرية عبر القرى والبلدات الفلسطينية، التي كانت تتخللها في الماضي بعض المستوطنات الصغيرة والمتفرقة، أصبحت الطرق اليوم تمر عبر كتل استيطانية كبيرة طغت على الوجود الفلسطيني.
أصبح المشهد اليوم مهيمنًا عليه من قبل المستوطنات، حتى في مناطق لم تكن إسرائيل قد وضعتها ضمن مخططاتها منذ الاحتلال عام ١٩٦٧. لكن المشهد الجغرافي شيء، والمشاهد المؤلمة للبوابات عند مداخل كل بلدة وقرية فلسطينية شيء آخر؛ إذ يمكن لهذه البوابات أن تحوّلها بين ليلة وضحاها إلى سجون صغيرة، وفقًا لمزاج جندي أو مستوطن.
أما العنف الموجّه ضد كل ما هو فلسطيني من قبل مستوطنين مسلحين وعنيفين، ترافقهم وتحميهم قوات الجيش، ووفق توجيهات واضحة من الحكومة اليمينية الحالية، فهو أمر يصعب تصديقه. والمؤلم أن كل شيء اليوم موثق عبر وسائل التواصل الاجتماعي وينتشر بسرعة أمام أعين العالم. يشعر الفلسطينيون بأنهم تعرضوا للخيانة، مع وجود عدد قليل جدًا ممن يقفون إلى جانبهم لحمايتهم. فإذا كانت عشرات الآلاف من الأرواح البريئة التي فقدت في غزة، وما لحق بها من دمار شامل وحرمان لملايين الناس، لم تدفع العالم إلى التحرك، فهل سيحظى بعض عنف المستوطنين باهتمام أكبر؟
أعلم أنني رسمت صورة قاتمة نسبيًا لحياتنا اليومية، لكن هذه ليست نهاية قصتنا. فعلى مدى مسيرتي المهنية التي امتدت ٤٥ عامًا، شهدت شعبًا يتمتع بالصمود والإبداع، والأهم من ذلك شعبًا مملوءًا بالإيمان والرجاء.
نعم، كانت ولا تزال هناك موجات من الهجرة، وهذا أمر مؤلم للغاية. ولكن الغالبية العظمى من أبناء شعبنا يدركون أهمية أن يولد الإنسان في الأرض المقدسة، والعبء الكبير الذي تأتي به هذه الحقيقة. إن الصمود الذي نراه في عيون الأسر الشابة، والفرح في عيون أطفال المدارس، والحكمة التي تنبع من تأملات كبار السن، كلها تمنحنا الأمل بأن الحضور المسيحي لن يرحل.
وكأي مجتمع آخر، سيتغير هذا الحضور ويتكيف مع واقعه الجديد، وببركة الرب سيواصل مسيرته إلى الأمام، وسيستمر في شق طريقه ليؤدي دورًا محوريًا في بناء مجتمعاتنا ومجتمعنا ككل، بالقيم ذاتها التي قادت حياة آبائنا وأجدادنا.
إنها فرصة للتأمل في ٤٥ عامًا من المعرفة العميقة بالكنيسة وما تقوم به من أجل دعم مجتمعاتها، بينما تعيش في حالة دائمة من الأزمات، في مجالات التعليم والرعاية الرعوية والدعم الإنساني. ولا شك أن الحضور المؤسسي الحيوي للكنيسة سيبقى قويًا، بل وسيتوسع وينمو، وسيواصل التكيف مع الحقائق الجديدة، وتصميم برامج تتجاوز بكثير التعريف التقليدي لعمل الكنيسة في أماكن أخرى من العالم.
وعلى طاولة العمل في البطريركية اللاتينية توجد حاليًا مشاريع مختلفة للإسكان، وتوسيع الخدمات، وخلق فرص العمل، وبناء القدرات، وبرامج توليد الدخل، ناهيك عن توسيع البرامج الرعوية الهادفة إلى التكوين الروحي وتعزيز الإيمان والرجاء.
سأتابع من مسافة آمنة تطور دور الكنيسة وتوسعها في ظل استمرار الأزمات، وسأساعد بكل ما أستطيع للاستفادة من خبرتي. وفي الوقت نفسه، آمل أن أجد الطاقة لمتابعة حلم التقاعد، وهو كتابة كتاب عن رحلتي مع الكنيسة ومؤسساتها، وهي تعمل باستمرار في ظل الأزمات. ترقبوا ذلك!
اسمحوا لي أن أختم بتوجيه الشكر إلى كل واحد وواحدة منكم، ممن تصلهم هذه التأملات، على دعمكم الكريم وتشجيعكم، والأهم من ذلك، على صلواتكم المستمرة من أجلي ومن أجل جميع إخوتي وأخواتي في الأرض المقدسة.
لم تكن هذه المسيرة لتكون ممكنة من دونكم جميعًا، أنتم الموجودون في أماكن مختلفة حول العالم. وخلال الأشهر القليلة المقبلة، وبينما أتأقلم مع مرحلة التقاعد، سأواصل المشاركة مع البطريركية اللاتينية وتقديم الدعم عند الحاجة خلال المرحلة الانتقالية لمنصب الرئيس التنفيذي، وكذلك مساعدة غبطة البطريرك في أي مهام خاصة قد يكلّفني بها.
يمكنكم التواصل معي عبر بريدي الإلكتروني الجديد في البطريركية اللاتينية: [email protected] وأتطلع إلى أن نبقى على تواصل.
سامي اليوسف
الرئيس التنفيذي الذي يختتم فترة خدمته
٢٥ آب ٢٠٢٦

