يستهلّ غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، زيارته الراعوية إلى رعية الحبل بلا دنس في بلدة الحصن بالأردن، وذلك من يوم الخميس 23 نيسان 2026 وحتى يوم الأحد 26 نيسان 2026، في محطة روحية تحمل معاني القرب والرعاية والشركة الكنسية.
وسيكون في استقبال غبطته كاهن الرعية الأب وجدي سهاونة، يعاونه الأب باولو فيليسيتي. وتبدأ الزيارة بصلاة الغروب، وتُختتم بالاحتفال بأحد الراعي الصالح.
وخلال أيام الزيارة، سيلتقي غبطته بأبناء الرعية وفعالياتها المختلفة، وبرجال الدين من الكنائس الشقيقة، والسلطات المحلية، إضافة إلى ممثلي المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات. كما سيترأس الاحتفال بسرّي المناولة الأولى والتثبيت لعدد من أبناء الرعية.
إنها أيام مفعمة بالصلاة والتشارك واللقاءات الأخوية، نستعرض خلالها لمحة عن تاريخ هذه البلدة العريقة ومسيرة الرعية فيها:
الحصن... بلدة ذات جذور تاريخية عريقة
تقع بلدة الحصن على بعد نحو 8 كيلومترات جنوب مدينة إربد، شمال المملكة الأردنية الهاشمية، وتُعد من البلدات الأردنية التي تتمتع بحضور مسيحي تاريخي راسخ، شكّل على مر العقود نموذجًا حيًّا للتنوّع والتجذّر الكنسي.
ويحمل اسم الحصن دلالات تاريخية ولغوية متعددة، إذ يشير في العربية إلى المكان المنيع المحصّن. ويربط بعض الباحثين الاسم بتلّ الحصن الواقع شمال البلدة، فيما يرى آخرون أن اسمها القديم باليونانية كان هيبوس (Hypos)، أي “حصان”، وكانت في العهد الروماني إحدى مدن الديكابوليس (المدن العشر).
كما تشير الدراسات الأثرية إلى أهمية المنطقة عبر العصور، من خلال ما اكتُشف فيها من بقايا أبنية رومانية، وبرك أثرية، وكنائس قديمة ذات أرضيات فسيفسائية جميلة تزيّنها الرسوم النباتية والحيوانية.
الحضور المسيحي والنسيج الاجتماعي
تُظهر الإحصاءات التاريخية أن الحصن كانت من أبرز المراكز المسيحية في شمال الأردن، إذ شكّل المسيحيون نحو 77٪ من سكانها أواخر القرن التاسع عشر، واستمر حضورهم فاعلًا عبر العقود.
ولا تزال البلدة حتى اليوم تحتفظ بحضور مسيحي حيّ ومتجذّر، إلى جانب نموذج مميّز من العيش المشترك الإسلامي المسيحي، حيث تُذكر الحصن دائمًا كمثال للتآخي والتعاون والاحترام المتبادل بين جميع مكوّناتها.
وتضم البلدة عدة كنائس وجماعات كنسية، من أبرزها:
- رعية اللاتين – كنيسة الحبل بلا دنس
- كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس
- كنيسة القديسين بطرس وبولس للروم الكاثوليك
بالإضافة جماعات كنسية أخرى تعبّر عن غنى التعددية المسيحية في البلدة .

رعية الحبل بلا دنس اليوم
يبلغ عدد العائلات التابعة للرعية اليوم نحو 330 عائلة، تشارك بفاعلية في حياة الكنيسة من خلال:
- المجلس الرعوي
- الأخويات
- جماعات الشبيبة والكشاف
- خدّام الهيكل
- برامج التنشئة المسيحية للبالغين
- النشاطات الليتورجية والخدمية المتنوعة
رعية اللاتين... من أقدم الرعايا في الأردن
تعود بدايات رعية اللاتين في الحصن إلى أيار 1885، حين استجاب البطريرك اللاتيني لطلب عدد من أهالي البلدة الراغبين بالانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية، فأرسل الأب تيوبالدو نافوني والأب ميشيل كرم لخدمة الجماعة الناشئة.
ومنذ بداياتها، واجهت الرعية تحديات وصعوبات، تمثّلت في الضغوط الاجتماعية والإدارية، وإغلاق الكنيسة والمدرسة لفترة من الزمن من قبل السلطات العثمانية. إلا أن إيمان أبناء الرعية وثباتهم أسهما في ترسيخ الوجود الكنسي والحصول على الاعتراف الرسمي بالرعية.
كما أولت البطريركية اهتمامًا كبيرًا بالتعليم منذ البداية، فافتُتحت المدرسة إلى جانب الكنيسة، لتصبح مركزًا روحيًا وتربويًا مهمًا في البلدة.
وفي مطلع القرن العشرين، شهدت الرعية نهضة بارزة حيث تم استكمال بناء الكنيسة بين عامي 1900 و1903، وتكريسها لسيدتنا مريم العذراء الحبل بلا دنس.
وفي عام 1902، استقبلت الرعية راهبات الوردية، ما أسهم في تعزيز حضور الحياة المكرّسة وتطوير الرسالة التعليمية والاجتماعية في البلدة، حيث افتتح مدرسة لراهبات الوردية جديداً.

مجموعة من أبناء الرعية، عام 1921
منارة إيمان وخدمة
تواصل رعية الحبل بلا دنس في الحصن اليوم رسالتها كمنارة روحية وتربوية، تجمع بين أصالة التاريخ وحيوية الحاضر، وتبقى شاهدًا حيًّا على حضور الكنيسة في خدمة الإنسان والمجتمع في الأردن.
لنصلِّ معًا لكي تكون زيارة غبطة البطريرك إلى رعية الحصن زمنًا مملوءًا بالنعمة والبركة، مثمرًا باللقاءات الروحية، وذا ثمرٍ صالح في حياة الرعية وأبنائها، فيعمّ السلام والفرح كل أيام هذه الزيارة المباركة.

