شهدت مدينة حيفا، يوم الأحد 10 أيار 2026، المسيرة السنوية التقليدية لسيّدة الكرمل، "طلعة العذراء"، حيث توافد الآلاف من المؤمنين في أجواء من الصلاة لمرافقة شخص السيدة العذراء المُكرم من كنيسة اللاتين في البلدة التحتى وحتى دير “ستيلا ماريس" الواقع على الطرف الشمالي الغربي لجبل الكرمل.
ومع بدء شمس المساء بالانحدار ببطء نحو الأفق، انطلقت الفرق الكشفية والإكليروس والمؤمنون إلى الشوارع في مسيرة مهيبة ومفعمة بالصلاة والفرح، حيث سحب عدد من المؤمنين تمثال سيّدة جبل الكرمل، المحمول على عربة، بواسطة حبال عبر الشوارع الرئيسية للمدينة، ويبلغ وزنه 900 كيلوغرام.
ترأس المسيرة صاحب الغبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، يرافقه السفير البابوي رئيس الأساقفة جورجيو لينغوا، والمطران رفيق نهرا، النائب البطريركي في الجليل، إلى جانب كهنة من الكنائس الشقيقة وآلاف المؤمنين الذين قدموا من مختلف أنحاء الأرض المقدسة لتكريم العذراء مريم.

جرت العادة أن تُقام هذه المسيرة في الأحد الثالث بعد الفصح، غير أنّ تأجيلها هذا العام بدا وكأنه أضفى على الحدث بُعدًا روحيًا أعمق، حيث وقع الاحتفال في الشهر المريمي، وشارك الأب قبريانوس قبريانوس، كاهن رعية اللاتين في حيفا، قائلاً: "في هذا العام تحديدًا، وبعد تأجيل المسيرة بسبب المخاوف الأمنية، عاد المؤمنون بروح صلاة أعمق. وكأنّهم يقولون: رغم الخوف، ما زلنا نسير مع مريم. ورغم التعب، ما زلنا نرفع أعيننا نحو الله الذي وحده يقودنا الى الحياة و الخلاص".
وركز الأب قبريانوس في حديثه حول الرمزية التي تحملها هذه المسيرة، مشيرًا إلى أنّ الصعود من شوارع المدينة نحو مزار سيّدة جبل الكرمل يعكس مسيرة البشرية بأسرها، وقال: "إنها صورة لمسيرة الإنسان نفسه، الصاعد من تعب و القلق في هذه الأرض نحو حضرة الله، والعذراء سيدة جبل الكرمل ترافقنا كأمّ ومرشدة في الطريق. وأن المؤمن مدعو ليكون “نورًا” و”جسر محبة” في مجتمع متعب ومنقسم وهذه هي رسالة كل مسيحي ابن الله و مريم ان يكون مرسلا يحمل حضارة المحبة و السلام".
وليس هذا التقليد مجرد ذكرى تاريخية، بل شهادة حيّة على إيمان متجذّر بعمق في حياة أبناء المنطقة. وتعود جذوره إلى الحرب العالمية الأولى، حين أمر الجنود العثمانيون الآباء الكرمليين بإخلاء دير ستيلا ماريس خلال ثلاث ساعات فقط. فغادر الرهبان حاملين بعض الوثائق الأرشيفية وتمثال العذراء مريم لا غير. وبعد انتهاء الحرب، في 27 نيسان 1919، أُعيد التمثال باحتفال مهيب إلى الدير في مسيرة شكر للعذراء على حمايتها للمدينة والدير. ومنذ ذلك الحين، أصبحت “الطلعة” واحدة من أحبّ التقاليد المسيحية السنوية في الأرض المقدسة.
وقالت الأخت منى أميل طوطح، من راهبات القديس يوسف للظهور: «ما يميّز هذا الاحتفال هو أنّ المسيحيين من جميع الكنائس يجتمعون هنا معًا، وهذه الوحدة الجميلة نادرًا ما نراها في الاحتفالات الطقسية. وهذا يشعرني بوحدة المسيحيين... وبحقيقة الام التي تجمع ابناءها".

عند الوصول إلى ساحة دير ستيلا ماريس، ألقت أشعة الشمس الأخيرة نورًا ذهبيًا على شخص العذراء مريم، كأنّه انبثاق من الرجاء وسط الظلمات، فيما حمله المؤمنون إلى داخل المزار وسط التراتيل والصلوات، وتلاها إعلان الإنجيل المقدّس.
وقبل منح البركة الختامية، قال غبطته مخاطبًا حشد المؤمنين: "ما أجمل أن نختبر هذه الشركة الكنسية العميقة، فالحاضرون اليوم لم يأتوا من حيفا وحدها، بل من الجليل والقدس وبيت لحم؛ وكأنّ الأرض المقدسة بأسرها تجتمع هنا اليوم." واستذكر أنّ المسيرة بدأت قبل أكثر من قرن كفعل صلاة من أجل حماية حيفا والأرض المقدسة من ويلات الحرب، مضيفًا: "ها نحن نجتمع مجددًا هنا، بين حرب وأخرى، لنودع عائلاتنا وجماعاتنا وحياتنا بين يدي الله بشفاعة أمّنا، العذراء مريم".
وأشار غبطته إلى أنّ المؤمنين سيعودون إلى بيوتهم، فيما لا تزال حياتهم مثقلة بكثير من الصعوبات، لكنّهم يحملون معهم بركة روحية: «يجب ألّا نخاف، لأن لدينا كل ما نحتاج إليه: يسوع والعذراء». واختُتم الاحتفال بتلاوة صلاة «الأبانا» بصوت واحد.








