في مشهدٍ إيماني جمع بين عمق التراث الكتابي وفرح الكنيسة الجامعة، احتشد مئات المؤمنين والحجاج من مختلف أنحاء الأردن وخارجه، يوم الجمعة 24 تموز 2026، في مزار النبي إيليا بمحافظة عجلون، للاحتفال بعيد النبي إيليا، أحد أعظم أنبياء العهد القديم، في الموقع الذي يحفظ، بحسب التقليد المسيحي المحلي، ذكرى مسقط رأسه.
وترأس الاحتفال بالذبيحة الإلهية صاحب الغبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، يعاونه سيادة المطران إياد طوال، النائب البطريركي في الأردن، وبمشاركة عدد كبير من كهنة الأردن، وسط حضور رسمي وشعبي واسع، وحجاج قدموا من الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في هذا العيد مع الكنيسة المحلية.
ويُعد مزار النبي إيليا، الواقع بين تلال شمال الأردن، أحد مواقع الحج المسيحي المعترف بها رسميًا في المملكة، ويستند إلى التقليد الذي يحدد هذه المنطقة موطنًا للنبي إيليا التشبي، المذكور في سفر الملوك الأول (17: 1). كما تشهد البقايا الأثرية للكنائس البيزنطية المكتشفة في الموقع على مكانته الروحية عبر القرون، ليبقى شاهدًا حيًا على الجذور الكتابية للإيمان المسيحي في الأرض المقدسة.
وفي عظته، انطلق غبطة البطريرك من رمزية الجبل في الكتاب المقدس، باعتباره مكان تلقي الوحي الإلهي، حيث يلتقي فيه الإنسان بالله، ويتجدد فيه الإصغاء إلى صوته.
وقال: "نجتمع اليوم في هذا المكان الجميل والأصيل لنحتفل على هذا الجبل. فالجبال، في الكتاب المقدس، هي أماكن مهمة في تاريخ الخلاص، حيث يكشف الرب عن ذاته. وكل واحد منا يحتاج إلى "جبل" خاص به، إلى مكان يختلي فيه مع الله، سواء كان في بيته أو في أي مكان يستطيع أن يلتقي فيه بالرب لقاءً حقيقيًا."
وانطلاقًا من سيرة النبي إيليا، توقف غبطته عند دعوتين أساسيتين لحياة المؤمن اليوم.
ففي الأولى، تأمل في أمانة إيليا لله، إذ بقي ثابتًا في إيمانه في زمنٍ انحرف فيه الكثيرون نحو عبادة الأوثان، رافضًا أن يساير عقلية عصره رغم ما تحمله من اضطهاد ووحدة.
وقال: "لم يساير تيار عصره ولا العقلية السائدة فيه، بل بقي أمينًا لكلمة الله، ودفع ثمنًا شخصيًا لهذه الأمانة. واليوم أيضًا لدينا أوثاننا الخاصة. وعلى كل واحد منا أن يقرر، ليس مرة واحدة في حياته، بل كل يوم، من يتبع: الله أم أوثان هذا الزمن. وهذا القرار يشمل عائلاتنا، وأعمالنا، ومدارسنا، وكل تفاصيل حياتنا اليومية."
كما أشار غبطته إلى أن السير في طريق الأمانة لا يخلو من الألم والمصاعب والانتظار، مضيفًا:
"مثل إيليا، قد نشعر أحيانًا بالوحدة أو بأننا متروكون، خاصة عندما لا نجد أجوبة فورية لأسئلتنا. لكن الأمانة تعني أيضًا أن نتعلم الانتظار بثقة حتى يأتي الجواب من عند الله."
أما النقطة الثانية، فتمحورت حول أمانة الله لشعبه، إذ أكد غبطة البطريرك أن الله لا يطلب الأمانة من الإنسان فحسب، بل يبقى هو نفسه أمينًا في كل الظروف.
وقال: "لقد اختبر إيليا الصعوبات والاضطهاد والصحراء، لكن الله لم يتركه يومًا، بل أرسل إليه من يسانده ويقويه ليستمر في رسالته."
وفي ختام عظته، دعا غبطته المؤمنين إلى أن يجعلوا من النبي إيليا قدوة لحياتهم، مؤكدًا أن الانتماء إلى هذا الإرث الروحي لا يقتصر على الافتخار به، بل يقتضي الاقتداء به أيضاً.
وقال: "هنا في الأردن، إيليا جزء من تراثنا، وهو واحد منا. لكن لا يكفي أن نقول إنه ينتمي إلينا، بل علينا أن نسير على خطاه، وأن نصبح جزءًا من قصته. فلتساعدنا شفاعته على أن نبقى دائمًا أمناء لله، وأن نميز أمانة الله في حياتنا."
شارك في الاحتفال ممثلون عن وزارة السياحة والآثار، يتقدمهم معالي الدكتور عماد حجازين، إلى جانب مسؤولين من هيئة تنشيط السياحة الأردنية، الذين ساهموا في تنظيم نقل الحجاج من مختلف الرعايا. كما حضر محافظ عجلون ونائب المحافظ، وممثلون عن المؤسسات الرسمية والدينية والأثرية، وكهنة منطقة عجلون، ومن بينهم الأب سلام حداد، كاهن رعية مار إلياس في عجلون، والأب جوني بحبح، كاهن رعية مار بولس في عجلون، والأب يوسف فرنسيس، كاهن رعية سيدة الجبل في عنجرة، إضافة إلى اللجان الليتورجية والتنظيمية، والشبيبة، وكشافة الحصن، الذين أسهموا في إنجاح هذا اليوم الروحي الذي جمع الكنيسة حول أحد أبرز أنبياء الكتاب المقدس، في المكان الذي ما زال يروي للأجيال قصة أمانة الإنسان لله، وأمانة الله لشعبه.

