عظة عيد العذراء مريم والدة الإله - اليوم العالمي للسلام
القدس، البطريركية اللاتينية، 1 كانون الثاني 2026
القراءات: عد 6: 22-27؛ غل 4: 4-7؛ لوقا 2: 16-21
أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،
سنة مباركة!
في مطلع هذا العام الجديد، بينما يتبادل العالم التهاني بمستقبلٍ لم تتضح ملامحه بعد، لا تعرض علينا الكنيسة تمنيات غامضة أو مجرد آمال بشرية، بل تضعنا تحت نورٍ مزدوج الإشعاع، ثابت يرافق خطانا وهما: عيد العذراء مريم، والدة الإله، واليوم العالمي للسلام. هاتان الحقيقتان لم تقترنا ببعضهما البعض بالصدفة أو لمجرد ملاءمة ليتورجية، بل هما مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا كالجذر والثمرة، كالنبع والنهر. فالعذراء مريم هي جذر السلام، لأنّها ولدت للعالم أميره، ذاك الذي هو سلامنا (أف 2: 14). إن بدء السنة بالنظر إليها، يعني ألا ننطلق من قوّتنا الهشّة أو من استراتيجياتنا، بل من “نعم” متواضعة وقويّة غيّرت مجرى التاريخ إلى الأبد، “نعم” والدة الإله. إنّها دعوة لأن نبني الزمن المقبل لا وفق ميزان الحسابات، بل بروح رحبة؛ لا بالخوف، بل بالثقة.
القدّيس بولس، في رسالته إلى أهل غلاطية، يقودنا بدقّة متناهية إلى قلب السرّ الذي نحتفل به اليوم: "فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ٱبنَه مَولودًا لِٱمرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعة" (غل 4: 4). إنها كلمات تلامس واقعنا. لا يقول بولس: “ظهر كطيف”، ولا “أُرسل كبرق من السماء”، بل يقول: "مولودا لامرأة". بهذا الاختيار الذي لا رجوع عنه، ربط الله خلاص العالم إلى الأبد، لا بقوّة مجرّدة، بل بحرّيّة شخص، بجسد هشّ ومحبوب لفتاة من الناصرة. لقد أراد الله أن تكون له أمّ. ومن هنا، فإنّ لقب "والدة الإله" (Theotókos)، الذي أعلنه مجمع أفسس، ليس مجرّد عقيدة لاهوتيّة تُترك للخبراء، بل هو إعلان عن منهج إلهيّ، عن أسلوب الله نفسه: الله يصنع الخلاص، ويبني تاريخه مع البشرية بالقبول، والتواضع، والولادة، والألفة. فالسلام، إذًا، لا ينزل من أعلى كمعجزة سحريّة تُبطل التناقضات، بل ينبت ببطء، كبذرة، من الأرض الخصبة لقلب يقول "ها أنا ذا"، ويفسح المجال، ويصبح متاحا. مريم، في هذه الحالة، ليست مجرّد قدوة، بل هي “المكان” اللاهوتي الذي نفهم فيه كيف يرغب الله أن يعمل: من الداخل لا من الخارج، من الصِغَر لا من القوّة.
ويزيدنا الإنجيل وضوحًا في هذا الأسلوب. فبعد الحدث المذهل للولادة، وسط فقر المغارة وتواضعها، يصل الرعاة، الشهود غير المتوقّعين، حاملين روايتهم المليئة بالدهشة. ويقدّم لنا لوقا الموقف الجوهريّ لوالدة الإله: "وكانَت مَريمُ تَحفَظُ جَميعَ هٰذهِ الأُمور، وتَتَأَمَّلُها في قَلبِها" (لو 2: 19). إنّها صورة قويّة للغاية، بل وثوريّة. أمام الجديد المربِك، ودهشة الآخرين، وعظمة الحدث الذي يمسّها عن قرب، لا تُلقي مريم خطابًا، ولا تنشغل بالتنظيم، ولا تسارع إلى تفسير كلّ شيء. بل تقوم بأمرين: تحفظ وتتأمّل. إنّه تصوير لسلامٍ داخليّ حيّ، لا خامل. فالحفظ (synetērei) يعني الحماية، والإبقاء بأمان، وعدم السماح بتشتت التجربة. أمّا التأمّل (symballousa)، فيعني حرفيًّا "الربط معًا" والمقارنة أي وضع الأحداث في حوار مع كلمة الله التي كانت تسكن فيها منذ البدء.
أعزائي،
إنّ كلمة الله اليوم تكشف لنا الدواء النبويّ ضدّ العنف الخفيّ والواسع الانتشار في زمننا. غالبًا ما يولد العنف من التسرع في الحكم، ومن ردّات الفعل الفوريّة، ومن الضجيج الصاخب الذي يخنق كلّ كلمة صادقة وكلّ استماع صبور. السلام يستجوب الحفظ: من خلال حفظ العلاقة، وحفظ الكلمة المعطاة، وحفظ سرّ الآخر الذي لا نفهمه فورًا، وحفظ الذاكرة الهشّة لخير الله في تاريخنا. إنّه عمل حرفيّ، صامت، يبدأ في القلب قبل أن يظهر في الساحات. تعلمنا مريم أنه لا يوجد سلام خارجي بدون هذا الصبر الداخلي، من دون "تمخّض" روحيّ للأحداث على نور الله.
وهذا النور الإلهي، المحفوظ والمتألق في قلب مريم، هو الذي يعكس علينا سلامًا حقيقيًّا. فالبركة الكهنوتيّة الجميلة التي نسمعها اليوم من سفر العدد تكشف لنا أصل هذا السلام: "يُضيءُ الرَّبُّ بِوَجهِه عَلَيكَ … ويَمنَحُكَ السَّلام" (عد 6: 25-26). فالسلام ليس غياب المشاكل أو الصراعات – فذلك وهم خطير – بل هو حضور وجهٍ يضيء في ظلمتنا. إنّه اليقين الراسخ بأنّنا لسنا متروكين في ساحة التاريخ، وأنّ حياتنا ليست تصادمًا عشوائيًّا للذرّات، بل هي تحت نظر الله ومحبته ومرافَقته. إنّ السرّ الذي نحتفل به اليوم يدعونا إلى أن نسمح لنور ذلك الوجه – وجه إله صار له في يسوع وجه إنساني – بأن يلامس جراحنا، ومخاوفنا، وتوتّرات عائلاتنا، وجماعاتنا، ومجتمعنا. لن تختفي تلك الجروح بشكل سحري، لكنّها قد تصبح أماكن يولد فيها الرجاء، حيث يمكن أن تنشأ، صغيرة وهشّة، كبادرة مصالحة، وكلمة غفران، وخطوة نحو الآخر. ولهذا فإنّ دعوتنا كمسيحيّين، معمَّدين في المسيح، هي أن نكون “انعكاسًا” لذلك الوجه. نحن مدعوّون، على مثال مريم، أن نكون “حُرّاسًا” و“وسطاء” لنور الله من أجل العالم.
تحثنا رسالة قداسة البابا بمناسبة اليوم العالمي التاسع والخمسون للسلام على أن ننقل هذا النور، ببصيرة، إلى أحدث وأعقد وأحيانًا أخطر مجالات حياتنا المشتركة: العالم الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والمنظومة الإعلاميّة. وهي تذكّرنا بحقيقة حاسمة: التكنولوجيا ليست محايدة، بل هي دائمًا امتداد لقلب الإنسان. فإمّا أن تكون أداة تلاعب وانقسام ومراقبة خانقة ووحدة جديدة، وإمّا أن تصبح أداة لقاء، ومشاركة للخير، وإتاحة للمعرفة، وبناء خير عامّ حقيقي. وقد لمسنا ذلك بوضوح في سياق حرب هذه السنوات، صراع يمسّنا جميعًا بطريقة أو بأخرى. نحن مدعوّون إلى أن نكون صنّاع سلام، لا في العائلة والعمل والسياسة فقط، بل أيضًا من خلال استخدام أصابعنا على لوحة المفاتيح، وكلماتنا المتداولة على وسائل التواصل، وطريقة استهلاكنا – النقدي أو القهري – للمعلومات، ومن خلال سؤالنا الأخلاقي، القوي أو الخافت، حول الكيفيّة التي نريد أن يُرسَم بها مستقبل الإنسان بواسطة الخوارزميّات.
وحتّى في هذه "القارّة" الرقميّة الجديدة، يبقى المنهج مريميًّا: لا السيطرة على الآخرين بالحكم أو الإهانة، بل خدمة الحقيقة برأفة؛ لا استغلال الأشخاص، بل حفظ الكرامة التي لا يجوز المساس بها، كرامة كلّ وجه، حتّى الوجه المختبئ خلف شخصية غير واضحة المعالم. وهذا يعني إدخال القدرة على “الحفظ والتأمّل” في ضجيج العالم الرقمي، مع حماية وقتنا وحياتنا الداخلية، المهدَّدين بدوّامة الاتصال الدائم.
الحفظ. التأمّل. الترحيب. هي الكلمات الثلاث التي تسلّمنا إيّاها ليتورجيا اليوم، كعلاج للعنف ومنهج لبناء مسارات السلام.
فالحفظ هو أكثر من مجرّد الصون؛ إنّه تنمية ذكاء القلب. ويعني عدم الاستسلام لعجلة عصرنا، وترك الزمن يكشف معنى ما حدث. أمّا التأمّل، فيعني القدرة على تقييم الأحداث دائمًا على نور كلمة الله، ورؤيتها في نور ملكوت الله الذي ينمو كبذرة خفيّة. وهكذا نستطيع أن نرحب بالحياة ونحن واثقون بأنّ الله يسكنها، وليس بأنها عقوبة للعيش تحت وطأة ما يحدث لنا.
لنضع هذا العام تحت الحماية الوالدية والقويّة لمريم، والدة الإله. لتعلّمنا بنطقها كلمة "نعم" أن نفتح أبواب حياتنا، ومدننا، وقلوبنا لأمير السلام. ولْيتمّ فينا، وفي عائلاتنا، وفي هذه الأرض المقدّسة العزيزة، الجريحة والثمينة، وفي عالمنا المتعطّش إلى الرجاء والمعنى، تحقيق البركة القديمة، الجديدة أبدًا، التي سمعناها اليوم:
"يُبارِكُكَ الرَّبُّ ويَحفَظُكَ،
ويُضيءُ الرَّبُّ بِوَجهِه عَلَيكَ ويَرحَمُكَ،
ويَرفَعُ الرَّبُّ وَجهَه نَحوَكَ ويَمنَحُكَ السَّلام!"
سنة سلام مباركة للجميع!
سلامٌ يولد من قلب الله، ويمرّ عبر قلب أمّ، وتتسلّمه أيدينا وقلوبنا بصفة كوننا أبناء.
† بييرباتيستا الكاردينال بيتسابالا
بطريرك القدس للاتين

